اقترب موعد الاقلاع ، أصبح فريق الاغاثة ، على أهبة الاستعداد ، حزمت حقيبتي ، جلست في المقهى ، أحتسي الشاي المعشب ، ترتشف شفتاي السوداوان القطرات المعسلة ، الجسد هنا والقلب هناك ، تناهى الى أسماعنا نداء الالتحاق بالطائرة التي ستقلع بعد لحظات ، جلسنا على المقاعد الأمامية ، كم يحدونا جميعا هاجس أداء المهمة على أحسن وجه ، اغاثة اللهفان في الزمن المشرقي المنكوب ، ليس في الأمر سلاسة ويسر .
انخرطت في تفكير عميق ، شرد ذهني الذي حلق سامقا ، بدأت أضرب أعشارا في أميال ، ما دهانا نحن البسطاء نعيش آلام الشرق ؟ نتوجع كمدا على المآل في زمن الغروب ؟ أسئلة تراودني عن ذاكرتي الضجرة من أنهار النجيع التي مازالت تسيل على أيدي سماسرة الخراب الملعون ، آه ...كم أنا في غفلة من أمري ، لم يبق في الانسان انسانه ، غلبت الطبيعة محرجة ، على أنسنة خيضت من أجلها ملاحم العلم المشهودة ، طفق النوم يداعب جفني ، شعرت في نفسي بقوة هائلة على مقاومة الاستسلام للخمول الذي قد يكون الى الأبد ، أرسلت نظراتي المليئة معاني وعبرا في مسرح حياة بلا مغزى ، هالني المنظر الخلاب للجنات الخالدة في السهول الشامية ، وأنا أطل من النافذة ، انتابني احساس غريب حين هبوط الطائرة ، نحن على بعد كيلومترات قليلة عن الهدف ، بعد نزولنا ، استرحنا قليلا ، أشعلت سيجارتي الالكترونية ، عساها تنسيني رداءة القطط ، علها تلهيني عن مكر الذئاب في السوق الراكدة ، هيا نواصل المشوار ، قال صديقنا مرتجف الذقن الذي يفشي مكنون الذات ، فزعا من المصير المجهول ، ركبنا سيارة أجرة ، التوجس والحذر سيدا المسار ، جنود يترقبون بحذر كل وارد ، الأيدي على الزناد ، الحواجز منتشرة في كل مكان ، قلت في نفسي : سأكون محظوظا بالتنفيس عن هؤلاء الذين أعسروا قسرا ، في هذه البقعة المحشورة في زاوية الخذلان ، ها قد وصلنا ، نحن في مخيم اليرموك ، أزقة ضيقة ، مبان مدمرة وأخرى آيلة للانهيار في أية لحظة ، رائحة الموت تلقي بزهمها العفن على كل زائر غريب ، مياه آسنة في كل مكان ، أينما يممت وجهك ، فثمة أنياب الجوع الراسخة ، ترسل اليك رسالة ورسالة وأشياء أخرى .....، بئسها من تحية تأتي ممن أرسل الموت البطيء الى الأفواه التي أرغمت على الحنين ، الى خبز أذناب البقر ، حملة الاغاثة تجري على قدم وساق ، رغم قلة ذات اليد ، توجهت الى كوخ بسيط ، طرقت على الباب ، فجأة ، وقف أمامي شيخ كبير ، يرتدي جلبابا صوفيا قديما ، من تركة والده الراحل ، ويضع على رأسه عمامة بيضاء ، رجل ينحدر من شمال المغرب الأقصى ، هاجر مع أسرته وما تبقى من عشيرته ، الى بلاد الشام عام المجاعة سنة 1942 م ، مازالت مشاهد ذلك الرحيل القسري راسخة في ذاكرته المتشظية من تعب الحياة ، لم ينس أنات الأطفال وآهاتهم ، لم تغب عنه تلك النسوة اللائي سقطن صرعى تحت ضربات الطبيعة ، وتحت الحصار المطبق للغزاة الايبيريين ، كان علوش دباغا ماهرا ، أقسم بعدما حدث لموطنه الجديد ، أن لا يصبغ جلود الأسود ، أصبح يفضل جلود الكلاب التي قد تلتزم معه الوفاء اذا ما أطعمت ، عاش طويلا حياة العزوبة ، الى أن اقترن بامرأة في الخمسين من عمرها ، تلك القديسة ، عفاف التي اقتنعت مؤخرا ، ببناء عش الارتباط في زمن الكهولة ، أرسلت الى الشيخ العجوز رسائل حب تكتنفها كلمات غزل عفيف ، كان للمساتها الحنونة وقعها على الشيخ الذي عاش حياة اللجوء الى اللجوء ، تملكتها رغبة جامحة ، في خدمة رجل شريف ، كما كانت تسميه ، عند حلول موعد العودة ، توجهت الى الشيخ ، رأيته يتقطر دمعا على وجنتيه : سيدي ، لا تحزن ، ستعود الحياة الى الحياة ، كفكف الدمع واكتم الأحزانا : أيها الشيخ ما دهاك دهانا ..التفت الي للمرة الثانية قائلا : بلغ تحيتي الى البيدر ، الى التين الهندي ، الى السيد مسعود الذي يحفر ، بحثا عن جذوره في التاريخ ، أنا واياه من مشكاة واحدة.
استيقظت على وقع رنات المنبه ، وسادتي مبللة فوارة ، تكاد تدمع هي الأخرى كالمطر الغزير ، ياله من حلم مزعج ، معذرة لم أكن أقصد الاساءة ، قلبي مكلوم ، حان وقت العمل.
عبد الباقي أشن.